نخبة من الأكاديميين
319
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
مساندة بقاء وتكامل الدولة العثمانية إلى الانتقال التدريجي نحو التفتيت من الداخل ثم الاستقطاع وحتى الاقتسام النهائي ؛ حيث إن الأنماط الثلاثة تعكس درجات مختلفة من التدخل الأوروبي المتصاعد النغمة ، ولكن أيضًا المترابط والمتكامل نحو هدف أساسي وهو تصفية أكبر قوة إسلامية . ولهذا ، فإنه يمكن أن نصنّف هذه الأنماطَ الثلاثة في نمطيْن فقط ، وذلك وفق طبيعة ومضمون التأثير الكلي للمتغير الأوروبي : أولهما - نمط التدخل لمنع إحياء الأمة الإسلامية من داخل النظام العثماني أي بواسطة قوى إسلامية - ولو غير عثمانية - ويدخل في نطاق هذا النمط بعض نماذج الحركات الاستقلالية ، وهو يعكس في الوقت نفسه التدخل الأوروبي إلى جانب الدولة العثمانية ضد القوى التي بدا أنها تعمل ضدها ( وإن لم يكن ضد الإسلام ) . وثاني النمطيْن : نمط التدخل لاستقطاع أرجاء الإمبراطورية وحتى تدميرها ، وهنا يظهر التدخل إلى جانب القوى التي تعمل أيضًا ضد العثمانية ولكن ضد التوجهات الإسلامية أيضًا ، ويدخل في هذا النطاق الاحتلال العسكري وتوظيف حركة القومية العربية ، كما يدخل أيضًا بعض نماذج الحركات الاستقلالية ولكن ذات الجذور والدوافع المختلفة عن النماذج في النمط الأول . ثالثاً : كان للسياسات العثمانية انعكاساتها على الأوضاع الإقليمية الخاصة بكل منطقة . فالحكومة المركزية العثمانية لم تكن سلبية تمامًا في مواجهة أرجائها العربية ، وتنوعت ردود الفعل العثمانية للتدخلات الأوروبية كما اتجهت أحيانًا للمبادرة ، فلقد انتقلت من سياسات الإصلاح ( 1839 م - 1878 م ) إلى فكرة الجامعة الإسلامية ( 1879 م - 1909 م ) مع تزايد موجات الاحتلال العسكري واستقلال الأقليات غير المسلمة ، إلى إعلان الجهاد خلال الحرب العالمية الأولى بعد سياسات الاتحاد والترقي في التتريك والعثمنة وفي ظل ثورة التيارات القومية العربية . وتثير هذه السياسات تساؤلاتٍ - من منظورات مختلفة - حول مبرراتها الحقيقية ومدى فعاليتها بل مدى مسؤوليتها عن إتاحة الفرصة للقوى الأوروبية للاختراق . فمثلًا ، هل حالت سياسات الدولة العثمانية دون حركة إصلاح حقيقية من جانب قوى إسلامية أخرى ؟ وهل كانت سياسات الإصلاح ( خاصة مبدأ المساواة ) بداية السقوط الحقيقي حيث مهدت الأرضية لمزيد من التوظيف الأوروبي للمِلل ثم القوميات في النيْل من الداخل في الدولة الإسلامية ؟ ، وهل كانت سياسات الاتحاد والترقي مسؤولة عن تغلب الاتجاهات الانفصالية في الحركة القومية العربية ؟ ، وهل تمثلت محصلة السياسات العثمانية في ركود وتخلف الولايات العربية على نحو ساعد على الاختراق الخارجي والاحتلال بصفة خاصة ؟ . رابعاً : لا تكتمل الصورة من دون فهم الأوضاع الإقليمية لكل نمط من أنماط هذا التدخل ، وهي تثير أيضًا تساؤلات ، مثلًا : حول حقيقة النوايا والدوافع للحركات الاستقلالية ( مثل حركة محمد علي ) ، وحقيقة الأوضاع التي ساعدت على الاحتلال العسكري وردود فعل الأطراف المحتلة له ، ولماذا تأخر استقطاع أو اقتسام بعض المناطق عن غيرها ؟ وهكذا فإن تحليل تفاعل المتغيرات العثمانية والإقليمية مع أدوات التدخل الأوروبي لابد أن يوضح الاختلاف بين نمطي التدخل الأساسيين . وفي ما يلي قدر من التفصيل حول هذين النمطين :